الجواد الكاظمي
47
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
البخاري في قصّة ابن عمر : مره فليراجعها ثمّ ليمسكها حتى تحيض ثمّ تطهر ثمّ إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلَّق قبل ان يمسّ فتلك العدّة الَّتي أمر اللَّه تعالى أن يطلَّق لها النّساء . وكون الغرض الأصليّ استبراء الرّحم يدلّ على انّه الطَّهر لانّه الدّال على براءة الرّحم فانّ القرء بمعنى الجمع والمرأة في حال الطَّهر تجمع دمها فإذا جاء الحيض فرّقته والتقدير في الآية بعيد كما سلف ، على انّه راجع إلى ما قلناه كما أشرنا إليه ، ولانّ ما ذكروه من الاخبار معارض بانّ الاعتداد بالأطهار أقلّ زمانا من الاعتداد بالحيض فيلزم المصير إليه لأنّه الأصل إذ لا يكون لأحد على غيره حقّ الحبس والمنع وكلما كانت المدّة أقلّ كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له . ولعلّ النّكتة في التّعبير بالقروء الَّتي هي جمع كثرة دون الأقراء الَّتي هي جمع قلَّة مع انّ المناسب هنا جمع القلَّة التّنبيه على إرادة الحيض حيث علم جمع القرء الَّذي يكون المراد منه الحيض على الأقراء كما في قوله صلى اللَّه عليه وآله : دعى الصّلوة أيّام أقرائك ، وان كان كلّ من جمع الكثرة والقلَّة يستعمل مكان الآخر . قال القاضي ولعلّ الحكم لمّا عمّ المطلقات ذوات الأقراء تضمّن معنى الكثرة فحسن بناؤها يعنى لكثرة أفراد المطلقات من حيث انّ كل مطلَّقة لها ثلاثة قروء فكان جمع كثرة وهو جيد . هذا وفي أخبارنا ما يدلّ على أنّ القروء هي الحيضات الثلاث [ روى الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : عدة التي تحيض ثلاثة قروء وهي ثلاث حيض ونحوها رواية أبي بصير ( 1 ) ] لكنّها مهجورة بين الأصحاب محمولة على ضرب من
--> ( 1 ) فحديث الحلبي في التهذيب ج 8 : ص 126 الرقم 434 والاستبصار ج 3 ، ص 330 الرقم 1171 واللفظ فيهما : عدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة أقراء وهي ثلاث حيض ، ومثله رواية أبي بصير وهي بالرقم 435 من التهذيب وبالرقم 1172 من الاستبصار وفي الوسائل الباب 14 من أبواب العدد الحديث 7 ، وهما برقم واحد في طبعه الأميري ج 3 ، ص 169 وطبعة الإسلامية ج 15 ص 425 المسلسل 28387 ، وفي الوافي الجزء 12 ص 174 ، وفي قلائد الدرر ج 3 ، ص 332 . وروى الحديث في تفسير العياشي ج 1 ، ص 115 بالرقم 353 عن ابن مسكان عن أبي بصير ثم ذكره بالرقم 354 ، وقال أحمد بن محمد : القرء هو الطهر انما يقرء فيه الدم حتى إذا جاء الحيض دفعتها ، ولم أظفر على نقل الحديث في البحار عن العياشي مع كون محله ج 23 ، ص 136 إلى ص 138 ، ونقله في البرهان عنه في ج 1 ، ص 220 بالرقم 12 ولم يروه عنه أيضا في نور الثقلين مع كون محله ج 1 ، ص 183 و 184 . وعلى أي فقد حمل الحديث الشيخ في التهذيب والاستبصار مضافا إلى احتمال التقية أحسن حمل وهو : « أن قوله : ثلاث حيض يحتمل أن يكون إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة لأنه قد مضى له حيضتان وترى الدم من الحيضة الثالثة فتصير ثلاثة قروء وليس في الخبر أنها تستوفي الحيضة الثالثة . ثم قال قدس سره في التهذيب وفي الاستبصار : ولا ينافي هذا التأويل ما رواه : سعد بن عبد اللَّه عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن رفاعة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : سألته عن المطلقة حين تحيض لصاحبها رجعة ؟ - قال : نعم حتى تطهر ، لأنه ليس في هذا الخبر ان له عليها رجعة حتى تطهر من الحيضة الثالثة وإذا لم يكن ذلك في ظاهره حملناه على أنه يملك الرجعة في حال الحيض إذا كانت أوله أو ثانية » انتهى كلامه قدس سره ولقد أجاد فيما أفاد فجزاه اللَّه عن الإسلام أحسن الجزاء ونور اللَّه تعالى مرقده الشريف .